كلمة حول فكرة جمع السنة المطهرة



بسم الله الرحمن الرحيم

بقلم: صالح أحمد الشامي

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد:

ظهرت في أيامنا هذه فكرة جمع السنة المطهرة، وهي فكرة جليلة تستحق التقدير والاحترام.

وقد انتقل بعضهم بهذه الفكرة من المجال النظري إلى الميدان العلمي…

وهناك أكثر من مشروع وضع لإنجاز هذا العمل، ولكننا – وحتى كتابة هذه الأحرف – وبعد مضي أكثر من ثلاثين عاما… لم تظهر أي ثمرة لهذه المحاولات.

ويرجع في نظري عدم نجاحها إلى أكثر من سبب:

ومن ذلك: عدم تصور الهدف و الغاية التي تُجمع السنة من أجلها، حتى أصبح ” الجمع ” بحد ذاته غاية ، أما لماذا نجمع السنة؟ فهو السؤال الذي لم يُطرح.

وفقدان تصور الهدف، يتبعه عدم التخطيط السليم للعمل.

و من ذلك: أن هذه المؤسسات لم تستأنس بآراء أهل الخبرة و الدراية.

إن مسألة ” جمع السنة ” تحتاج إلى تحديد الهدف و الغاية أولاً، ثم وضع الخطوات التي توصل إلى ذلك، ولا بد أن يكون ذلك صادراً عن رأي  جماعي يشترك في وضعه العلماء و أصحاب الخبرة في هذه الميادين .

ومن أجل الوصول إلى ذلك فإني أرى من واجبي إبداء الرأي ووضع التصور الذي توصلت إليه بين أيدي أساتذتنا من العلماء، وهو جهد المقل وعسى أن يبارك الله فيه.

إن فكرة ” جمع السنة ” ليست جديدة على العلماء وقد بذلت جهود كثيرة من أجلها، وهي جميعها تصب في الوصول إلى هذا الهدف و من ذلك:

أولاً – الجهود التي بذلت في جمع كتابين أو أكثر في كتاب واحد ، كجموع الصحيحين، وجامع الأصول.. وغيرهما، فإنها كانت تهدف إلى تقليل عدد الأحاديث وعدم تكرارها.. و بالتالي إلى تقليص مساحة البحث ، ففي جامع الأصول ربما كان الحديث في كتابين أو أكثر من الكتب التي حواها هذا الجامع، ومع ذلك فإنه يذكر مرة واحدة، و بهذا تضيق مساحة البحث و يتوفر الوقت.

ثانيا – تلا ذلك الجهود التي عملت على استخراج الزائد في كتاب ما، على ما في كتاب آخر، والتي أطلق عليها اسم ” كتب الزوائد ” والمثال على ذلك الإمام البوصيري الذي استخرج زوائد سنن ابن ماجه على كتب الحفاظ الخمسة.

إن جمع كتابين أو عدة كتب في كتاب واحد، أو استخراج الزائد في كتاب على كتاب آخر، أو عدة كتب يسّر على الباحثين عملهم، ووفر عليهم بعض أوقاتهم. وهو – في الوقت نفسه – خطوة على طريق “جمع السنة” إذ غايته تقليص مساحة البحث.

وإذاً ففكرة “حذف المكرر” قد سعى إليها العلماء، وبذلوا من وقتهم وجهدهم الكثير لتحقيقها.

والذي أراه أن الغاية من جمع السنة هو تقريبها من أيدي عامة المسلمين، بحيث يتوفر لكل مسلم ما هو بحاجة إليه من العلم، وإذا كان المسلمون ليسوا في مستوى واحد من حيث حاجتهم – فحاجة العالم غير حاجة طالب العلم، وحاجة الباحث والمجتهد غير حاجة العالم – فالواجب مراعاة ذلك.

وبناء على ما سبق فالذي أراه  أن كتب السنة  يمكن تقسيمها إلى مجموعتين:

 

المجموعة الأولى: وتضم الكتب التسعة وهي: موطأ الإمام مالك، والمسند للإمام أحمد، والجامع الصحيح للإمام البخاري، وصحيح الإمام مسلم، وسنن أبي داود، وجامع الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه، وسنن الدارمي.

المجموعة الثانية: وتضم ما وراء ذلك من كتب السنة وهي كثيرة.

 

***

إن المجموعة الأولى تضم من الأحاديث ما فيه تلبية لحاجة طالب العلم بل والعالم وعامة الناس، وقد يسر الله لي إخراجها في ثلاثة كتب، وفق ترتيب مدرسي يراعي احتياجات الناس.

1)   الكتاب الأول “الجامع بين الصحيحين” وقد ضم بين دفتيه جامع الإمام البخاري وصحيح الإمام مسلم بكاملهما وهو لعامة طلبة العلم وعامة الناس.

2)   الكتاب الثاني “زوائد السنن على الصحيحين” ويضم بين دفتيه كتب السنن الخمسة، ويلبي حاجة طلاب العلم.

3)   الكتاب الثالث “زوائد الموطأ والمسند على الكتب الستة” ويلبي- مع سابقيه- حاجة العلماء.

وهذه الكتب الثلاثة يضبطها ترتيب واحد، فالمقاصد والكتب والفصول والأبواب كلها تحمل الرقم ذاته في جميع الكتب. مما يسهل الرجوع إليها جميعا في وقت قصير.

وكمثال على ذلك أقول: إن “باب خيار المجلس” يحمل الرقم (4) من كتاب البيع في الكتب الثلاثة، فإذا أردت البحث في هذا الموضوع، فما عليك إلا البحث عن الرقم (4) في فهرس كتاب البيع في هذه الكتب، وستجد المادة كلها الواردة في الكتب التسعة بين يديك.

وقد بلغ عدد أحاديث الكتب التسعة بعد حذف المكرر (16290) حديثا، وأما عدد أحاديثها قبل ذلك فهو (62937)، والرقم الأول يعدل ربع الرقم الثاني مع زيادة قليلة، وبهذا يتبين حجم توفير الجهد والوقت.

وقد اقترح بعض الإخوة الأفاضل جمع هذه الكتب الثلاثة في كتاب واحد رغبة في زيادة توفير الوقت والجهد فالرجوع إلى كتاب واحد أسهل من الرجوع إلى ثلاثة.

وهو اقتراح مشكور سأسعى إلى تحقيقه، ولعل الله ييسر ذلك.

***

وأما المجموعة الثانية: وهي التي تضم ما وراء الكتب التسعة من كتب الحديث, فهي ما يحتاجه الباحثون والمجتهدون, وهي كثيرة كثيرة, حتى ما يكاد العالم المتخصص يلم بها.. فإن جمعها يحتاج إلى جهد وصبر وتعاون.

ومن أجل إيجاد هذا الكتاب الذي يضم هذه المجموعة, أرى أن تستخرج الأحاديث الزائدة على ما في الكتب التسعة من هذه الكتب مع مراعاة ما يلي:

1-   اشتراك العلماء بهذا العمل بحيث يأخذ الواحد منهم كتابا أو أكثر, فيستخرج زوائده على الكتب التسعة.

2-   توحيد المخطط من حيث العناوين في الكتب والفصول والأبواب.. حتى يسهل فيما بعد تنسيق المجموع.

3-   الاقتصار على الأحاديث المرفوعة وما في حكمها دون الآثار. وإن رغب القائمون على العمل بجمع الآثار, فلتكن في عمل آخر مواز للعمل الأول ومستقل عنه.

4-   إذا استكمل العمل يتم التنسيق بين حصيلة هذه الكتب بحيث يحذف المكرر منها.

5-   اختيار لجنة من العلماء للحكم على هذه الأحاديث صحة وضعفا.

***

وفي اعتقادي أن هذا الكتاب الذي سيجمع هذه الحصيلة لن يكون كبيرا. ولبيان ذلك بلغة الأرقام أقول:

–         مجموع أحاديث صحيح ابن خزيمة ( 3079) وعدد الأحاديث الزائدة فيه على الكتب التسعة( 296) حديثا بما في ذلك الآثار. أي بنسبة تقل عن عشرة في المائة.

–         مجموع أحاديث ابن حبان (7491) وعدد الأحاديث الزائدة فيه على الكتب التسعة ( 531) حديثا بما في ذلك الآثار. أي بنسبة تقل عن ثمان في المائة.

–         وإذا أضفنا إلى ذلك حذف الأحاديث المشتركة بين الكتابين- وهي بحدود خمسين حديثا- فإن العدد سيقل.

–         وإذا حذفنا الآثار أيضا, فسيقل العدد مرة أخرى.

***

وإذا ظهر هذا الكتاب وفقاً للمواصفات التي تقدم ذكرها، فإن هناك عملاً آخر يحسن القيام به.

وهو دراسة هذا الكتاب من قبل لجنة من العلماء لاستخراج الأحاديث الزائدة فعلا لا اصطلاحا.

ولبيان ذلك أقول:

سيكون بين أيدينا في هذا الكتاب أحاديث كثيرة زائدة من حيث الاصطلاح, أي أحاديث مذكورة بنصها ومعناها أو بنصها أو بمعناها في الكتب التسعة, ولكنها هنا مروية عن صحابي آخر.. فأمثال هذه الأحاديث لن تضيف معلومة جديدة. وإن كان المصطلح يعدها زائدة.

وهناك أحاديث زائدة” حقيقة” فهي لم ترد في الكتب التسعة, وهي تضيف على ما فيها معلومة ليست فيها, أو تضيف حكما, أو توضح غامضا, أو تبين خفيا..

فهذه الأحاديث ينبغي أن تفرد في كتاب، وهو –عندئذ- يضم خلاصة لهذا “الكم الكبير” من النصوص. وسوف تكون الفائدة منه عظيمة للباحثين.

وكمثال على ذلك أقول:

إن أحاديث ابن خزيمة الزائدة على الكتب التسعة هي (296) وبعد دراسة هذه الأحاديث تبين لي أن الأحاديث الزائدة حقيقة هي (27) حديثاً وهي التي تضيف معلومة ما، هذا بحسب ما رأيته، وربما لو أخذها شخص آخر – ممن  له خبرة بالموضوع – لزاد عليها قليلاً أو نقص منها.

وخلاصة القول إن هذه الأحاديث الزائدة حقيقة لن تزيد – بحسب هذا الأنموذج – عن 1% من أصل أحاديث الكتاب.

***

هذا ولا بد من تبني المشروع من قبل مؤسسة خيرية، أو دار نشر كبرى، أو مؤسسة علمية كمكتب التربية العربي لدول الخليج…

وسيكون من مهامها:

–         الاتصال بأهل العلم الراغبين في المساهمة بهذا المشروع

–         اقتراح برنامج العمل وكل ما يتعلق بذلك وتوزيعه على المساهمين لدراسته

–         وضع اللائحة التنفيذية للعمل التي تبين خطواته للوصول إلى الغاية المنشودة

–         توزيع كتب السنة على المساهمين، أو يختار كل منهم ما يرى أنه قادر على إنجازه

–         قيام المكتب التابع للمؤسسة بعمليات التنسيق والمراجعة وبقية المهام

–         عند اكتمال العمل يمكن استخلاص الزوائد الحقيقية التي سبق الإشارة إليها

هذا ويسرني أن أبادر بالإعلان عن مساهمتي باستخراج زوائد الكتب التالية: صحيح الإمام ابن خزيمة، صحيح الإمام ابن حبان، المستدرك لأبي عبد الله الحاكم، وهي أمات كتب الحديث بعد الكتب التسعة.

***

هذا ما رأيت أن أضعه بين أيدي العاملين في هذا الميدان المبارك، عسى الله أن ينفع به.

اللهم وفقنا لخدمة سنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم واجعلنا من العاملين بها وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



3 التعليقات حول “كلمة حول فكرة جمع السنة المطهرة”

  1. […] SBU وغيره، وهذا ساعده كثيراً كثيراً في سرعة إنجازاته، ويمكنكم مراجعة هذه الصفحة لتعلموا أن الشيخ يفكر بعقلية استراتيجية […]

  2. أبومحمد says:

    شيخنا الفاضل , قد ظهرت باكورة جمع السنة الصحيحة , وذلك من خلال المصنف الرائع :” الجامع الصحيح للسنن والمسانيد ”
    تأليف : صهيب عبد الجبار
    وقد وعد الشيخ بإكماله قريبا إن شاء الله
    وقد نزل منه على الشبكة خمسة أجزاء

  3. ابو الفضل says:

    السلام عليكم
    شكر الله للشيخ هذا المجهود و وفقه للمزيد

أضف تعليقاً